القرطبي

35

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

يده اليمنى ، وملك يجذبها من يده اليسرى ، والنفس تنسلّ انسلال القطرة من السقاء ، وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع ، والكافر تنسل روحه كالسفود من الصوف المبتل . ذكره أبو حامد في « كشف علوم الآخرة » . فمثّل نفسك يا مغرور وقد حلّت بك السكرات ، ونزل بك الأنين والغمرات ، فمن قائل يقول : إن فلانا قد أوصى ، وماله قد أحصى . ومن قائل يقول : إن فلانا ثقل لسانه ، فلا يعرف جيرانه ، ولا يكلم إخوانه ، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب ، ولا تقدر على رد الجواب ، ثم تبكي ابنتك وهي كالأسيرة ، وتتضرع وتقول : حبيبي أبي من ليتمي من بعدك ؟ ومن لحاجتي ؟ وأنت واللّه تسمع الكلام ولا تقدر على ردّ الجواب . وأنشدوا : وأقبلت الصغرى تمرّغ خدّها * على وجنتي حينا وحينا على صدري وتخمش خدّيها وتبكي بحرقة * تنادي : « أبي إني غلبت على الصبر » حبيبي أبي « من لليتامى تركتهم * كأفراخ زغب في بعيد من الوكر ؟ » فخيّل لنفسك يا ابن آدم إذا أخذت من فراشك ، إلى لوح مغتسلك فغسلك الغاسل ، وألبست الأكفان ، وأوحش منك الأهل والجيران ، وبكت عليك الأصحاب والإخوان ، وقال الغاسل : أين زوجة فلان تحالله ؟ وأين اليتامى ترككم أبوكم فما ترونه بعد هذا اليوم أبدا ، وأنشدوا : ألا أيها المغرور ما لك تلعب * تؤمل آمالا وموتك أقرب وتعلم أن الحرص بحر مبعد * سفينته الدنيا فإياك تعطب وتعلم أن الموت ينقضّ مسرعا * عليك يقينا طعمه ليس يعذب كأنك توصي واليتامى تراهم * وأمّهم الثكلى تنوح وتندب تغصّ بحزن ثم تلطم وجهها * يراها رجال بعد ما هي تحجب وأقبل بالأكفان نحوك قاصد * وحثى عليك الترب والعين تسكب فصل قول عائشة رضي اللّه عنها : « كانت بين يديه ركوة أو علبة » ، العلبة : قدح من خشب ضخم يحلب فيه ، قاله ابن فارس في « المجمل » « 1 » . وقال الجوهري في

--> ( 1 ) انظر « مجمل اللغة » لابن فارس ( 3 / 625 ) .